اصناف الناس في الجيش الاموي الذي واجه الامام الحسين عليه السلام في كربلاء
يمكن تصنيف الجيش الأموي الذي واجه الإمام الحسين ( عليه السلام ) في كربلاء ، من حيث نوع العناصر التي تألّف منها إلى الأصناف التالية :

1 ـ المزدلفون إلى الإمام ( عليه السلام ) لقتله : متقرّبين إلى الله بذلك ، وبانتهاب حرمته ، وسبي ذراريه ونسائه ، وانتهاب ثِقله ، مجتمعين على هذا الرأي ، وهم مع هذا يدّعون ويزعمون أنّهم من أمّة محمّد ( صلّى الله عليه وآله ) ، وهم ثلاثون ألفاً على ما حدّده الإمام الحسن المجتبى ( عليه السلام ) كما في رواية عنه ( عليه السلام ) أنّه خاطب الإمام الحسين ( عليه السلام ) قائلاً :( ولكن لا يوم كيومك يا أبا عبد الله ! يزدلف إليك ثلاثون ألف رجل يدّعون أنّهم من أمّة جدّنا محمّد ( صلّى الله عليه وآله ) ، وينتحلون دين الإسلام ، فيجتمعون على قتلك وسفك دمك ، وانتهاك حرمتك ، وسبي ذراريك ونسائك ، وانتهاب ثِقلك…) ، وكذلك ما وردَ عن الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) فيما أُثر عنه ( عليه السلام ) أنّه قال :( ولا يوم كيوم الحسين ( عليه السلام ) ازدلف عليه ثلاثون ألف رجل يزعمون أنّهم من هذه الأمّة ، كلٌّ يتقرّب إلى الله عزّ وجلّ بدمه ! وهو بالله يذكّرهم فلا يتّعظون حتى قتلوه بغياً وظلماً وعدواناً…) .وهذا الصنف الضالّ ربّما شكّل من حيث العدد الأكثرية الساحقة في جيش ابن زياد ، ولا شك أنّ هؤلاء ممّن أضلّهم الإعلام الأموي وطمس على أبصارهم وبصائرهم ، فكانوا يرون الإمامة والخلافة الشرعية ليزيد بن معاوية ! ويرون الإمام الحقّ ( عليه السلام ) خارجاً عن طاعة الإمام ! شاقّاً لعصا هذه الأمّة ومفرّقاً لكلمتها ، ولو لم يكن هذا ما يعتقدونه ؛ لمَا تقرّبوا إلى الله بقتل الإمام الحسين ( عليه السلام ) على حدّ قول الإمام السجّاد ( عليه السلام ) .2 ـ أهل الأهواء والأطماع : ويمكن تقسيم هؤلاء أيضاً إلى :أ ـ الانتهازيّون : وهم الساعون وراء مصالحهم الدنيوية مهما فرضت عليهم هذه المصالح والمطامع من تقلّبات في الانتماء بين الرايات المتعارضة ، ولا يعني هذا أنّ الانتهازي لا يعرف أين الحقّ ومَن هم أهله ، لكنّ حبّه للدنيا وللرئاسة والمقام يضطّره إلى التنكّر لأهل الحقّ ، كما قد يضطّره إلى قتلهم وملءُ قلبه حسرة عليهم ودموعه تجري أسىً لِما أصابهم ، ومن أوضح الأمثلة على هؤلاء : عمر بن سعد لعنه الله ، وشبث بن ربعي ، وحجّار بن أبجر ، وغيرهم كثير .ب ـ المرتزقة : وهم الذين يخدمون مَن يعطي أكثر من غيره ، ولا يعبأون بما إذا كان مبطلاً أو محقّاً ، ولا ترقّ قلوب هؤلاء لمظلوميّة مظلوم ولا تأخذهم شفقة لبشاعة مقتله ، ومن أوضح الأمثلة على هؤلاء :سنان بن أنس ، وشمر بن ذي الجوشن ، وحرملة بن كاهل ، ومسروق بن وائل ، وحكيم بن طفيل ، ومنهم أولئك الذين سلبوا جميع ملابس الحسين ( عليه السلام ) حتّى تركوه عرياناً لعنهم الله جميعاً .وهؤلاء ـ كما هو شأنهم في القديم والحاضر ـ ممسوخون روحيّاً ونفسياً ، قد امتلأت صدروهم بالحقد والكراهية لجميع الناس عامة ولأهل الفضل منهم خاصة ، فهم يندفعون بسهولة إلى ارتكاب المذابح الطائشة والجرائم الفجيعة بقساوة فظيعة ، كما الوحوش الكواسر .ج ـ الفَسقة والبطّالون : وهم الذين لا يهمهم من دنياهم إلاّ قضاء أوطارهم من المفاسد التي ألِفوها وتعوَّدوا عليها ، ومن العادة وطبيعة الأمور أن يتواجد هؤلاء في صفّ أهل الباطل عند مواجهتهم لأهل الحقّ ، وهؤلاء يشهدون على أنفسهم بأنّهم أهل فساد وباطل ، ويتذرّعون لأنفسهم بأسخف العلل لعدم انتمائهم لصف الحقّ مع معرفتهم به ، ومن أوضح الأمثلة على هؤلاء في جيش عمر بن سعد : أبو حريث عبد الله بن شهر السبيعي ، ويزيد بن عذرة العنزي .3 ـ الخوارج : المشهور بين المؤرّخين أنّ الخوارج كانوا من جملة المشتركين في جيش ابن زياد ، الذي عبّأه لقتال الإمام الحسين ( عليه السلام ) في كربلاء ،فإذا افترضنا أنّ الخوارج كانوا قد خرجوا مع ابن زياد لقتال الإمام الحسين ( عليه السلام ) راغبين ، كما ذهبَ إلى ذلك الشيخ القرشي حيث يقول : ( ومن بين العناصر التي اشتركت في حرب الإمام ( عليه السلام ) الخوارج ، وهم من أحقد الناس على آل النبي ( عليهم السلام ) ؛ لأنّ الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) قد وتَرَهم في واقعة النهروان ، فتسابقوا إلى قتل العترة الطاهرة للتشفّي منها ) ؛ إذاً فهم بلا شك من المزدلفين إلى قتل الإمام ( عليه السلام ) المتقرّبين إلى الله تعالى بذلك ، فهم إذاً من الصنف الأوّل .أما إذا أخذنا بالاعتبار رأيهم في عدم معاونة الجبابرة في الحروب أمكنَ لنا القول بأنّ حضور الخوارج في جيش ابن زياد لقتال الإمام الحسين ( عليه السلام ) ربّما كان على كُرهٍ منهم ، فهم من حيث التصنيف من المكرَهين الآتي ذكرهم .4- المُكرهون : ومنهم الخوارج – على احتمالٍ – كما قدَّمنا ، ومنهم مخلِصٌ في حبّ الإمام ( عليه السلام ) وطاعته ، لكنّه لم يستطع اللحوق به ؛ بسبب الحصار وشدّة المراقبة ، حتّى إذا حضر كربلاء في جيش ابن زياد ، تحيّن الفرصة ليلة العاشر أو قبلها فالتحق بالإمام ( عليه السلام ) ، وهؤلاء في حساب العدد أفراد قليلون ، ورد ذكرهم في تراجم أنصار الحسين ( عليه السلام ) ، وربّما أمكن القول : إنّ من هؤلاء أيضاً مَن خرجَ في جيش ابن سعد وهو لا يتوقّع نشوب الحرب بل يتوقّع الصلح ، حتّى إذا رُدَّت على الإمام ( عليه السلام ) شروطه وصارت الحرب حتماً مقضيّاً ، انحازَ إلى الإمام ( عليه السلام ) وجاهدَ بين يديه حتى استشهد ، وهؤلاء أيضاً أفراد قليلون .غير أنّ القسم الأعظم من صنف المكرهين : أولئك الذين خرجوا في جيش ابن سعد مرغمين ؛ خوفاً من بطش ابن زياد ، إبّان التعبئة الشاملة القاهرة التي فرضها على أهل الكوفة ،فقد هدّد ابن زياد جميع أهل الكوفة بإيقاع أشدّ العقوبات بمَن يتخلّف منهم عن الخروج معه لقتال الإمام ( عليه السلام ) كما أنه سجن الآلاف منهم ، وممّا جاء في أمره وتهديده : (.. فلا يبقينَّ رجل من العرفاء والمناكب والتجّار والسكّان إلاّ خرج فعسكر معي ، فأيّما رجل وجدناه بعد يومنا هذا متخلّفاً عن العسكر برئت منه الذمّة ) .( ورُوي أنَّ ابن زياد أمرَ القعقاع بن سويد بن عبد الرحمان بن جبير المنقري بالتطواف بالكوفة في خيل ، فوجد رجلاً من همدان ـ من أهل الشام على رواية الدينوري ـ قد قدِم يطلب ميراثاً له بالكوفة ، فأتى به ابن زياد فقتله ، فلم يبقَ بالكوفة محتلم إلاّ خرج إلى العسكر بالنخيلة ) .ويصف المؤرّخون كراهة الناس للتوجّه إلى قتال الإمام ( عليه السلام ) ، فيقول البلاذري : ( وكان الرجل يُبعث في ألف فلا يصل إلاّ في ثلاثمئة أو أربعمئة وأقلّ من ذلك ، كراهة منهم لهذا الوجه ) .ويقول الدينوري : ( قالوا : وكان ابن زياد إذا وجّه الرجل إلى قتال الحسين في الجمع الكثير ، يصلون إلى كربلاء ولم يبقَ منهم إلاّ القليل ، كانوا يكرهون قتال الحسين فيرتدعون ويتخلّفون ) .وروى الطبري عن سعد بن عبيدة : أنّه رأى في وقعة كربلاء أشياخاً من أهل الكوفة واقفين على التلّ يبكون ويقولون : اللّهمّ أنزل نصرك ( أي على الحسين ( عليه السلام ) ! ) فقال لهم سعد : يا أعداء الله ، ألا تنزلون فتنصرونه ؟! .وهذا القسم من المُكرهين هم الذين غلبَ الشلل النفسي على وجودهم ، وطغى مرض الازدواجية على شخصيتهم ، فكانت قلوبهم مع الإمام ( عليه السلام ) وسيوفهم عليه مع سيوف أعدائه ، فكانوا حطب نار الفاجعة ، ومادّة ارتكاب الجريمة ، وعدد هؤلاء كبير جداً نسبة إلى مجموع جيش ابن سعد في كربلاء .ولعل سائلاً يسأل : ما هو السرُّ وراء هذه التعبئة الشاملة وجمع هذا العدد الهائل من البشر في مقابل سبعين رجلاً فإن كان الغرض مقتصراً عل قتلهم فإنه يتحقق جزماً بأقل من نصف من اجتمع في كربلاء على أقل الروايات ؛ إلا أنَّ ابن زياد لعنه الله كان يسعى لأمر آخر وراء ذلك ، وهو إشراك الأمة في مدينة ولاء الحسين عليه السلام في دمه لأغراضٍ سياسية كما هو شأن غيره من ولاة الجور في الأزمنة المختلفة ، وعندها يقل العدد الذي يمكن أن يثور طلباً بالثأر لهذا الدم الطاهر إذ سيخرج جزماً من المطالبين بالثأر من اشترك في المعركة في مقابل الحسين ولو بالإكراه وسيخرج معهم الكثير من أقربائهم ، وعندها ستنقسم المدينة التي هي مركز الولاء للحسين عليه السلام على نفسها لو أراد البعض أن يطلب بالثأر وكفى بذلك مكسباً سياسياً . نعم ، كان هدفه الأول القضاء على الثورة الحسين عليه السلام بأفضل طريقةٍ تخدم أسياده ، وذلك بقتل الحسين عليه السلام وأهل بيته وأصحابه والتنكيل بمن والاه إلا أنه لا يبعد أن يكون قد نظر إضافةً إلى ذلك إلى إشراك الأمة أو أكبر عددٍ منها في هذه الجريمة ، ولهذا الأمر آثاره السياسية المطلوبة للطواغيت .لكن ، في المقابل ، ساهم إشراك هذا العدد الهائل في ترتب الآثار المرادة من ثورة الحسين عليه السلام فقد شهدوا بأم أعينهم وفي وضح النهار شدة قبح تلك الجريمة النكراء فنتج عن ذلك حدوث صدمةٍ لضمير الأمة الذي كان يحتضر فكانت هذه الصدمة شبيههً بالصدمة الكهربائية لمن يُصاب بالسكتة القلبية لأجل أن ترجع الحياة إليه . وهذا ما كان يسعى إليه الإمام الحسين عليه السلام ، حيث إن الأمة التي تابعت أهواءها وتنصلت من مسؤولياتها وقعت تحت إدارة النفس الأمارة بالسوء لكل فردٍ منها فتابعوا نفوسهم الأمارة هذه وانقادوا لها انقياد العبيد لأسيادهم ، ومنعتهم الذنوب التي صارت حجاباً على قلوبهم وبصائرهم من أن يروا قبح أعمالهم بل وزين لهم الشيطان أعمالهم وسيِّء أفعالهم حتى رأوه حسناً فجرَّ ذلك إلى وقوعهم في القبيح الذي ما بعده قبيح ، حتى إذا مرت لحظة سكرة الذنب بدأت الصحوة بعد ذلك ، وهنا بدأ دور النفوس اللوامة التي شرعت بإعادة الأمور إلى مواقعها وانتفضت الأمة على نفسها قبل أن تنتفض على أعدائها ، وحينها صار همُّ شريحةٍ واسعةٍ من الأمة أن تُكفِّر عن تلك الخطيئة .الجيشُ الأموي : الألقاب والأوصاف
لقد وُصِف الجيش الأمويّ الذي ارتكب ـ بقيادة عمر بن سعد لعنه الله ـ أبشع جريمة في تاريخ الأرض بأوصاف سيئة وألقاب ذميمة كثيرة ، على لسان الإمام الحسين ( عليه السلام ) ولسان أصحابه رضوان الله تعالى عليهم ، نورد هنا بعضاً من هذه الأوصاف ـ وجُلّها عن لسان الإمام ( عليه السلام ) ـ للتعريف بهويّة هذا الجيش الآثم : شيعة آل أبي سفيان ، العتاة ، الطغاة ، الجُهّال ، شيعة الشيطان ، الفُسّاق ، المليئة بطونهم من الحرام ، الممسوخون ، عبيد الأَمَة ، شُذّاذ الأحزاب ، شرار الأحزاب ، نَبَذَة الكتاب ، محرّفو الكلِم ، عُصبة الإثم ، نَفثة الشيطان ، مطفئو السُنن ، الظالمون ، السفهاء ، المطبوع على قلوبهم ، أمّة السوء ، شاربو الخمر ، مؤذو المؤمنين ، صراخ أئمة المستهزئين ، أكلة الغاصب ، قَتلة أولاد الأنبياء ، مبيرو عترة الأوصياء ، ملحقو العهار بالنسَب ، عظماء الجبّارين ، قَتلة أولاد البدريين ، قتلة عترة خير المرسلين ، قتلة المؤمنين ، الخبيثون ، أولاد الزنا ، الطُغام (أي أراذل الناس) ، مظهرو الفساد في الأرض ، مبطلو الحدود ، المستأثرون في أموال الفقراء والمساكين .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق